Monday, May 29, 2006

فتاة الملجىء – 1

لا تخشى الموت
أخش الحياة التي لم تعشها



حرصت ان تقول شيئا محددا في آخر لقاء بينهما. لقد أمضت يوما بأكمله تخطط لما ستقوله و كيف ستقوله والى الكلمات التي ستلجأ اليها للتعبيرعن ما تفكر فيه. و الحقيقة ان هذه الحالة قد سببت لها قلقا لم تستطع أن تخفيه عن وجهها المغطى بابتسامة مصطنعة تحت مساحيق التجميل. فبمجرد رؤيته, راحت الكلمات التي حضرتها تتسلل ببطء من ذاكرتها الحديثة التي لم يتجاوزعمرها الليلة الواحدة, ثم ازداد قلقها حين ارادت الارتجال. و هو بالمناسبة لم يكن يوما من فنون الخطابة التي تملكها رغم أن والدها كان خطيبا له سجل حافل من المحاضرات المرتجلة التي كان يلقيها في المناسبات العامة. لعل السبب انها ليست في مناسبة عامة. ان ترتجل كلمات كنت قد استعديت لألقائها في مناسبة خاصة يجعل الارتجال العام أكثر سهولة.
ربما. هي ليست هنا لتحكم على ذلك الآن. كل ما يهمها الآن هو أن تفك عقدة لسانها الذي تدرب لساعات على ما يجب – يتوجب- قوله بعد ان زادت سرعة خفقة قلبها و لم تعد قادرة على ضبط رجفة جفنيها اللذين عكسا بروز العرق على جبينها. هذه العوارض ليست جديدة بالنسبة اليها, في اعتقادها انها اصبحت "خبيرة" بها و انها تدرك المواقف التي يمكن ان تنتابها فيها. لم تكن تتوقع ان يحصل لها ذلك الآن. لعله يتوجب عليها اعادة النظر في خبرتها هذه, فلا تخذلها في المستقبل.

نظر اليها و سألها ان هي بخير, فأجابت بسرعة انها على ما يرام بالرغم من مظهرها. ردة الفعل الاولى التي يقوم بها اللاوعي في محاولة لصد سؤال لا يحتاج الى اجابة لفظية. سؤال يدرك سائله الاجابة عليه من خلال تعابير الجسد (او الصوت) المقابل له, و مع ذلك ففي معظم الاحيان يصدر السؤال من اللاوعي المقابل, لاوعي السائل الذي يقوم بدور الفعل. في ردها انها على ما يرام فشلت في الظهور بمظهر المتماسكة الواثقة من أقوالها و أفعالها برغم اعتقادها انها دربت نفسها – او دربها ما مرت به على امتداد حياتها- على الظهور كذلك حين يكون الواقع – واقعها- غير ذلك.

ارتشفت فنجان قهوة و سألته: ما الذي سيحصل بيننا؟ ثم أردفت, ماذا سيحصل لاحقا ؟

Wednesday, May 24, 2006

نبع اللحن

جيبوا نبع اللحن
و رشوا منو عالطريق
و خللو شوي عجنب
لوقت الآدان ما يفيق

في ولاد عم تلعب بالوحل
و في عصر
و بالجو في هوا وشي طاير بالسما
بيقولوا نسر

و بنات عم تكزدر و تفرش شعرا بالفلا
كأنا عم تنادي الشباب تا يجوا كلن سوا

و في عود كل ما نشف النبع بيحن
بيوقد الدنيي لحن تا يدفا السمع
و بعس غيماتا بالشتي تا يروق الوجع

و بفيض الدمع عا الضحك وعالبكي
و عن جديد نبع اللحن بينتلي

Tuesday, May 23, 2006

بيني و بينك

بيني و بينك ورد و صفصاف
مع كل فجر احمل اليك بعض الهتاف
ثم اقـّبل حملا لعق يديك
قبل ان يهديه الذئب جرعة الموت عند الزفاف

بيني و بينك صيف واصطياف
وعباءة توشحت بالثلج زمن الجفاف
و صبية يلوكون التبغ ايام الحصاد
و شيخ اضاع خارطة التكوين يوم الحساب

بيني و بينك بحر و رمال
و ضباب تجهز للقتال
و مباضع تلتمس ورم الروح
و ما يدمي العين
و يثكل مروءات الرجال

بيني و بينك عشق حزين
و مواجع و حنين
و من حيث يطلع الضوء
و على الجبين
و قبلة تأتيني عند الأنين
و عند الموت و ما بعد الرحيل

كونين

حين استقبلته , حين وقعت عينيه على عينيها, تسارع الزمن عائدا الى الوراء حتى تجمد عند ملاعب الطفولة.

كانت لحظة, لحظة واحدة بمدى كل سنوات الماضي. كيف يكون اللقاء الذي يشغل في رأسك اسطوانة مدتها اربعة عشر عاما ؟ و كيف تصف شعورا اختزل مساحة الزمن في لحظة واحدة ؟ كيف يكون طعم الماء حين يصحرك الظمأ ؟ و كيف تطير ضفائر الصبايا و هي تركض لمعانقة الحبيب ؟

عندما كانت الدنيا ملعبه, حمل برتقالته برفق, وضعها في حضنه و ترافقا. عين على الطريق يراقب بدهشة قوافل النازحين و عين على البرتقالة يعطيها من بصره فتعطيه شمسا.

انها شمسه. لقد اصبحت شمسه. تشرق متى اراد و تغيب حين يكون مشغولا بتفاصيل اخرى : بالحياة التي لم يعد يذكر منها شيئا.

متى سنعود ؟ أبي أبي اريد أن اعود الى ملعبي. فيأتي الجواب أن قريبا يا ولدي. قريبا سوف نعود. و بقي الولد يكرر سؤاله و الوالد يردد نفس الجواب : قريبا سوف نعود....

لا تستطيع البرتقالة التكلم و لايمكنها ان تسمع وعود الوالد. لكنها تشعر بهواجس الولد : لقد كانت تتواصل معه فتتوهج حين يسكن اليها ليطمئن عليها و تخبو حين يبتعد عنها.

مرت الايام و الولد و الوالد يكبران. لم يعد الولد يسأل و لم يعد الوالد يهتم بالاجابة. لم يعد يزور برتقالته و لم تعد تسمع هواجسه. هو انقطع عنها حين يأس من العودة الى ملاعب الطفولة فأنقطعت هي عن الحياة حين غلبها الشوق اليه.

لم تعد البرتقالة تتوهج و ظلت الشمس تشرق صباحا و تغيب مساء... أما شمس البرتقال فقد غادر برتقالته, قبل الولد, داعب شعره فصبغه بلونه الأحمر و عاد الى ملاعب الطفولة ينتظر عودته.
أربعة عشر عاما مرت و شمس البرتقال في ملاعب الطفولة تنتظر عودة الولد..


كانت تلك كونين في وجدان صبي عمره ثماني سنوات. كبر الصبي و البلدة –في خلده- لم تكبر و حين سابق الرياح مسرعا اليها مع رايات التحرير كان قد بلغ الثانية و العشرين. عندما وقعت عينيه على عينيها عانقته شمس البرتقال و أسرت في قلبه حكايات ملاعب الطفولة تنتظر ابدا عودة الولد.

أدرك ان البلدة التي حملها وجدان صبي في الثامنة ما زالت نضرة كتراب الصبح الشموس المنتعش بالندى.
ما تغير هو "اهالي البلدة ".

Monday, May 22, 2006

العائد



حين ينبت الرمد في عينيك ويضيق بك سريرك. حين تنام و تحلم انك تحلم. حين تستيقظ و رأسك عند رجليك افتح بيديك المرتعشتين كتاب العائد ثم ابدأ بكتابة ما سوف تمحوه و تعيد كتابته.

اشعل سيجارة. املأ رئتيك بدخان ضبابي كثيف و انفث عميقا ثم اشحذ ذاكرتك, استرجع صورك, استحضر ما كنت معه و من كنت بين يديه. اشحذ ذاكرتك, تعلق بالمناديل التي كنت تكتب عليها اشعارك و الجرائد التي كنت ترافقها وتحرسها مع بزوغ الفجر و كانت ترافقك و تحرسك عند النوم. اشحذ ذاكرتك و تأمل عيون الصبية التي كانت مرآة صباحك و مساءك ترشح الحب و الامل. اشحذ ذاكرتك و ارحل الى قمرك تلعب في شعاع بدره على وتر ضن بالالحان و ما بخل.

افتح بيديك المرتعشتين كتاب العائد ثم انفض الحبر اليابس عن قلمك وانصت لما بداخله يغلي توقا لبياض يحرره واكتب عن زيتونة حملت حرارة يدي جدتك تدثرك بوجع القلب و بهجة الشباب الشيب, و عن ولد كبر تحت التين و ضاع في الحنين و ضّيع من بين يديه طمعا بطموح لا يجلب سوى الأنين.

افتح بيديك المرتعشتين كتاب العائد ثم اغسل قلمك و جففه براحة كفك و احتضنه بين الاصابع. ابعد عن عينيك روايات حملتها و لا تنظرالى وجه ابيك معلقا على حائط سجنك. أغلق كل المنافذ. ودع زملاءك و هدئ من روعك. اشعل سيجارة اخرى وانفخ في غرفتك الحزينة صور مضحكة لاطفال يقتحمون سكون لياليك في حيك المهجور.

تأمل العائد وحيدا تحت غطاء ابيض رقيق يتقلب على سريره مصارعا الأرق الذي لا ينام , يشغل اسطوانة موسيقى ويضيع في متاهة الألحان باحثا عن صوت تمرد على حنجرة أو نوتة تحدت عازفها أو شمعة اخمدت نعيق ظلمة كالحة.

أفتح بيديك المرتعشتين كتاب العائد و لا تعر انتباه لما قرأت عن حنين أوليس الى بنلوب أو اشتياق الأمير الصغير لوردته الفريدة. بدل موقعك و لا تتبدل. تأنق بأشعار حفظتها فتى و كلمات كتبتها شابا ثم أرح جفونك على كتف أم حملتك بقلبها صلاة فجر و دعاء سحر.

سيجارة أخرى. احمل فأس قلمك و ابدأ بقطع الأوهام التي نبتت في رأسك كالعشب الضار يخنق مساحة عقلك. أقطع المشهد تلو المشهد و لا تنزعج من رقابة الجهل عطلت توزيع كتاب. احمل فأس قلمك و ابدأ كتابة العائد مرة بعد مرة الى ان تثمل من الأحرف ثم استيقظ و افتح ورقة جديدة و اكتب :

عن الحلم الذي لا يضيع و اضحك. و عن الحب الذي لا يموت و اضحك. و عن الام التي لا تشيخ و اضحك. و عن الاب الذي لا يغيب و اضحك. ثم اضحك حتى تعجز عن ادراك اي النبيذ اطيب : ذاك الذي تشربه وحيدا في ظلام الليل ام ذاك الذي تشاطره من اجتمعت معهم و تواجدت بينهم.

في يومياتك لا تبحث عن اشارة. لا تذكر مثالية الحب و لا شهامة القضية. لا تمتنع عن البوح بمداعبة ثديي فتاة قادك القدر اليها و لا تغفل ذكر جرأتك تقتحم ليل فتاة رأت فيك صورة ليست تشبهك.

أيضا سيجارة... أنت أيها العائد تحمل برد أيلول بأطراف يديك و تدفء بالأحلام صقيع انكاساراتك المتتالية. أنت كما انت, كما كنت, لاتقف عند المفترقات, تنتبه لها متأخرا منشغلا بمبادئ و مثاليات هشة. ثم تقرر أن تعود !؟

ها أنت تفرغ في كتابك بعضا من خلايا رأسك و بعضا من قشور جلدك, و البعض من قلبك هائم على الصفحات يتطلع الى الخاتمة و ينشد البدايات كطفل يبحث عن رحم خرج منه رغما عنه.
انزع من رأسك صفحات قلبك و شد الرحال خروجا من قبرك و على الهامش توقف عن رسم اشكال غير مفهومة تشبه فوضويتك البريئة. توقف عن البراءة.

اغلق الكتاب و ودع العائد الذي لن يعود أو اصفعه صفعة توقظ فيه معنى أن يعود.

سهرة بلح

وين اللي وصّل عالغيوم
و من بعد ما نصب خيمته
وَتعَبَو شلح
انتبه انو الشتي بعد ما استوى
انو النخل ما صار تمر
انو النخل بعدو بلح

وين اللي معها تـَوم توحّمت عالكستنا
قلـّلا رجالها الصبي ضيـّع المواسم
من كتر ما مَرَق عبطنك فصول
و البنت فزعت تطلب لما الصبي لبـّط انا
قللا رجالها الصبي قال كستنا لأنو بعدو ما داق البلح
و البنت حنونه سكر متل التمر استوى ع أمه
و بعدو بلح