Tuesday, May 23, 2006

كونين

حين استقبلته , حين وقعت عينيه على عينيها, تسارع الزمن عائدا الى الوراء حتى تجمد عند ملاعب الطفولة.

كانت لحظة, لحظة واحدة بمدى كل سنوات الماضي. كيف يكون اللقاء الذي يشغل في رأسك اسطوانة مدتها اربعة عشر عاما ؟ و كيف تصف شعورا اختزل مساحة الزمن في لحظة واحدة ؟ كيف يكون طعم الماء حين يصحرك الظمأ ؟ و كيف تطير ضفائر الصبايا و هي تركض لمعانقة الحبيب ؟

عندما كانت الدنيا ملعبه, حمل برتقالته برفق, وضعها في حضنه و ترافقا. عين على الطريق يراقب بدهشة قوافل النازحين و عين على البرتقالة يعطيها من بصره فتعطيه شمسا.

انها شمسه. لقد اصبحت شمسه. تشرق متى اراد و تغيب حين يكون مشغولا بتفاصيل اخرى : بالحياة التي لم يعد يذكر منها شيئا.

متى سنعود ؟ أبي أبي اريد أن اعود الى ملعبي. فيأتي الجواب أن قريبا يا ولدي. قريبا سوف نعود. و بقي الولد يكرر سؤاله و الوالد يردد نفس الجواب : قريبا سوف نعود....

لا تستطيع البرتقالة التكلم و لايمكنها ان تسمع وعود الوالد. لكنها تشعر بهواجس الولد : لقد كانت تتواصل معه فتتوهج حين يسكن اليها ليطمئن عليها و تخبو حين يبتعد عنها.

مرت الايام و الولد و الوالد يكبران. لم يعد الولد يسأل و لم يعد الوالد يهتم بالاجابة. لم يعد يزور برتقالته و لم تعد تسمع هواجسه. هو انقطع عنها حين يأس من العودة الى ملاعب الطفولة فأنقطعت هي عن الحياة حين غلبها الشوق اليه.

لم تعد البرتقالة تتوهج و ظلت الشمس تشرق صباحا و تغيب مساء... أما شمس البرتقال فقد غادر برتقالته, قبل الولد, داعب شعره فصبغه بلونه الأحمر و عاد الى ملاعب الطفولة ينتظر عودته.
أربعة عشر عاما مرت و شمس البرتقال في ملاعب الطفولة تنتظر عودة الولد..


كانت تلك كونين في وجدان صبي عمره ثماني سنوات. كبر الصبي و البلدة –في خلده- لم تكبر و حين سابق الرياح مسرعا اليها مع رايات التحرير كان قد بلغ الثانية و العشرين. عندما وقعت عينيه على عينيها عانقته شمس البرتقال و أسرت في قلبه حكايات ملاعب الطفولة تنتظر ابدا عودة الولد.

أدرك ان البلدة التي حملها وجدان صبي في الثامنة ما زالت نضرة كتراب الصبح الشموس المنتعش بالندى.
ما تغير هو "اهالي البلدة ".

No comments: